أحمد بن علي القلقشندي

277

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

حروف هذه اللفظة صارت علم وعاد القبح منها حسنا ؛ مع أنه لم يتغير شيء من مخارجها ، على أن اللام لم تزل فيها وسطا والميم والعين يكتنفانها من جانبيها ؛ ولو كانت مخارج الحروف معتبرة في الحسن والقبح لما تغيرت هذه اللفظة بتقديم بعض الحروف وتأخير بعض ، وليس ذلك لأن إدخال الحروف من الشّفة إلى الحلق في ملع أعسر من إخراجها من الحلق إلى الشّفة في علم ، فإنّ لفظة بلع فيها الباء وهي من حروف الشفة ، واللام وهي من وسط اللسان ، والعين وهي من حروف الحلق وهي غير مكروهة . قال في « المثل السائر » : ولربما اعترض بعض الجهال بأن الاستثقال في لفظ مستشزرات إنما هو لطولها وليس كذلك ، فإنا لو حذفنا منها الألف والتاء وقلنا مستشزر لكان ثقيلا أيضا ، لأن الشين قبلها تاء وبعدها زاي ؛ فثقل النطق بها ؛ نعم لو أبدلنا من الزاي راء ومن الراء فاء فقلنا مستشرف لزال ذلك ؛ ومن ثمّ ظهر لك أن اعتبار ابن سنان ( 1 ) تركيب الكلمة من أقل ( 2 ) الأوزان تركيبا غير معتبر ، وقد ورد في القرآن العظيم ألفاظ طوال لا شكّ في حسنها وفصاحتها كقوله تعالى : * ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * ( 3 ) وقوله تعالى : * ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ ) * ( 4 ) فإن لفظ فسيكفيكهم مركب من تسعة أحرف ، ولفظ ليستخلفنهم مركب من عشرة أحرف ، ولفظ مستشزرات مركب من ثمانية أحرف . قال : والأصل في هذا الباب أن الأصول لا تحسن إلا من الثلاثيّ وفي بعض الرّباعيّ ، كقولك عذب وعسجد ، فالأولى ثلاثيّة ، والثانية رباعيّة ؛ أما الخماسيّ من الأصول فإنه

--> ( 1 ) هو عبد اللَّه بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي : شاعر أديب ، له « ديوان شعر » و « سر الفصاحة » قتل مسموما سنة 466 ه . ( الأعلام 4 / 122 ) . ( 2 ) قال ابن سنان في « سر الفصاحة » : 87 : « متى زادت الكلمة على الأمثلة المعتادة المعروفة ، قبحت وخرجت عن وجه من وجوه الفصاحة . ( 3 ) سورة البقرة / 137 . ( 4 ) سورة النور / 55 .